سيد جميلى

14

نساء النبي ( ص )

شاعرا بأنه مزايل للناس وهو بعيد منهم ، فلا أحد يمكن أن يسد مسد الأب الرفيق ، ولا إنسانة تسد مسد الأم الشفوق ، فإن أصاب الابن قذى تقطعت كبد أمه ، واحترق قلب أبيه ، وليس لأحد من الناس غيرهما هذه الخاصية ، وكم تمنى إنسان أن يفقد كل شيء ، وأن يضحي بكل نفس ونفيس فداء لابنه لأنه حشاشة القلب . . . . لقد مات عبد الله بن عبد المطلب وترك السيدة البارة آمنة بنت وهب حاملا برسول الله صلى الله عليه وسلم ، فخرج سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الدنيا لم ير أباه ، ولم يره أبوه ، فتقر به عينه ، وليس في الدنيا كلها حنان يعوض حنان الأب ، وحدبه ، وبره ، وإشفاقه . ثم إن أمه آمنة بنت وهب قد أدركها الموت ، فتوفيت هي الآخرى وعمره ست سنوات ، فكانت وفاتها ثالثة الأثافي ، حيث تظاهرت الظروف القاسية المريرة ، وتواترت الهموم على الطفولة البريئة ، فبينا يتمارى صبية بني هاشم وغيرهم بين آبائهم وأمهاتهم وذويهم ، إذا بالصبي الصغير محمد بن عبد الله لا يجد صدر أب حنون ، ولا قلب أم مشفقة تحنو عليه في المساء ، وترعاه في الصباح ، ويشعر باليد الحانية تربت على وجهه المشرق الوضاء تهدهده وتلاعبه وتداعبه . . افتقد كل هذا ، وحرم من كل هذا ، ولم يكن هناك بد من إلحاقه وانتقاله إلى جده عبد المطلب ، ذلك الشيخ العجوز الفاني . لكن حفاوة الجلد العجوز لا يمكن بحال أن تكون بديلا عن حنان الأب وبره وحدبه . . . كذلك فإنه لا يزال محروما من حنان الأم التي لا عوض ولا بديل لها أبدا . كان كلما خلا بنفسه صلى الله عليه وسلم ، شعر بالحزن العميق ، والأسى البالغ ، والنار المحرقة التي ترعى الكبد من لوعة فراق الأبوين في فجر الحياة ومع